Friday, November 9, 2007

علي الجانب الاخر من البحر



رغم أني كنت علي الجانب الاخر من البحر، فقد حالفني الحظ كثيرا، ولم تقع عيني علي جثث لفظها البحر، بعد أن لفظها أهلها ، الا وهي مدعية الحياة، هاربة من تابوت الفقر في الاغلب، أو احتلال حكومة حزب وطني فاسدة.
اختلفت الطرق، وتشابهت القصص، وتوحد الهدف لدي كل عابر، وكان علي الاستماع، ولكم أصابني الهلع، والترقب، اوحتي الدهشة، أثناء متابعتي أحداث كل قصة، رغم تأكدي من النهاية، وانتصار البطل المزعوم الجالس امامي، بملابسه الرثة، ومتعلقاته البسيطة، وأحيانا بدونها، ذلك البطل الذي سرعان ما تحول الي مجرد رقم علي استمارة بدرج المكتب، أو ملف علي الديسك توب .

دائما كان خيط البداية واحد، تليفون من قسم الشرطة بوصول وافد جديد "متسلل عبر الحدود"، والسؤال عن امكانية استضافته بالمركز "مركز طوارئ لاستقبال لاجئين" مؤقتا، ثم تبدأ مرحلة توفيق أوضاع الوافد قانونيا، عبر محطات عدة، تستمر ربما لسنوات، رغم التصاق صفة "مؤقت" بأوراقه، وان كان مازال قاصرا فسرعان ما ستتبناه الدولة.
لم تختلف معظم القصص في نهاياتها، ربما في نقطة البداية، وتفاصيل التفاصيل، فلم تختلف قصة "سامان" النحات والرسام الايراني، عن مواطنه "مصطفي" بطل ايران في المصارعة الحرة، علي مدي سنوات، أو "أورهان" وابن عمه "احمد" من أكراد ديار بكر، عن "ستيف" الهارب من الفتنة الطائفية بأثيوبيا، عن "ماريا" عن "فريدة" ،عن "زينات"، "علي"، "سارة" واسماء كثيرة .

ربما "حسن" كان من اكثر الشخصيات التي لم تسقط من ذاكرتي قط، عدت يوما من احدي الاجازات ، وسألت زميلي عن "الوارد والصادر"، التعبيرين المستخدمين عما اذا كان هناك نزلاء جدد بالمركز، أو مغادرة احدهم، وهو امر نادر الحدوث، فأشار الي لطفل هزيل، يقف وسط ملعب الكرة ، وتحت زخات مطر، شهر فبراير، خارج نافذة المكتب المطلة علي الفناء الخارجي، يبدو في العاشرة، نحيف، بروز لعظام وجه،يرتدي ملابس اكبر من المفترض، غير متناسقة، اندهشت كيف لطفل في العاشرة وصل الي هنا، فا الاوراق امامي تصر انه بمفرده، بدون عائلة، قبض عليه أثناء محاولة للتسلل الي احد القطارات التي تمر عبر الحدود الايطالية- النمساوية، فقد كان يرغب في الذهاب الي المانيا، (معظم المتسللين يتطلعون لذلك املا في حياة افضل).
استقر حسن في المركز، وتوطدت علاقتي به، حين أخبرني بعد أيام انه لا يعرف كيف يمكنه الاتصال بعائلته، ليعرف والده انه كان جادا في قراره، ودس في يدي ورقة مهلهلة، تحمل أرقاما كثيرة ، وحين طلبت واعطيته الهاتف، اختفي هدوئه المعتاد، وظهر شقاوة طفل، يمرح ويمازح الاخوة والام والاب، بلغة غريبة عني، تخللتها كلمات عربية "الحمد لله- نعم- الله " ، بعدها استجاب لمحاولات سابقة في ضرورة أن يبدأ تعلم اللغة ليتواصل مع محيطه ،وقدمته ل ريناتا المدرسة ليتعلم اللغة، التي اندهشت لسرعة تعلمه، والتحق باحدي المدارس الليلية، وخلال اليوم لم يكن يخجل ان يسأل عن معاني كلمات عجز عن فهمها، وبمضي الوقت، والاحساس بالامان بدأ "حسن" يسرد أجزاء من حياته قبل ينجح في عبور البحر، "حسن" أفغاني، ولا يتحدث العربية، الاوردية، و بعض الانجليزية، وفوجئت ان سنه اربعة عشر عاما، وليس عشرة اعوام كما ظننت، حكي أنه ودع عائلته في افغانستان، المكونة من أب وأم وتسعة أبناء أخرين، ترتيبه الخامس بينهم، وعندما سأله أبوه الي اين؟ رد بكل ثقة الي المدرسة ولكن في بلد أخر، والده لم يعترض، فهو لديه الكثير من الابناء، بدأ رحلته سيرا علي الاقدام، الي باكستان، ثم ايران، ومن هناك تم اجباره علي العودة، وتم ترحيله، الا انه بمجرد العودة، عاود الكرة، وبدأ رحلته من جديد مصرا علي النجاح هذه المرة، سلك طريق الجبل، وصادق قطاع الطرق، باكستان، ثم ايران، ثم تركيا، ومن هناك استطاع التسلل لاحدي سيارات التهريب، التي عبرت به البحر علي ظهر سفينة، ووصل الي ايطاليا، واتخذ طريقه في اتجاه الشمال، حيث المانيا، الا ان ملامحه الشرقية ، وهزاله الواضح، ووجوده وحده داخل القطار، ادي للقبض عليه.
كان هدف حسن ان يلتحق بالمدرسة يوما، وحلمه ان تتاح لاخواته الاصغر الفرصة نفسها، في اول فصل دراسي جديد، التحق "حسن" بالمدرسة، وسرعان ما انتقل الي مكان أخر مخصص للقاصرين، وان رأيته بعدها كثيرا، فالمدينة صغيرة، وتجمعنا مدرسة واحدة، فحين بدأت كورسات لغة المانية رأيت اسمه في القائمة الطلاب، واعترض علي عندما سألته ان يركز اولا في اللغة الايطالية، وحين اخبرته اني رايته في الجريدة ،في ريبورتاج عن اللاجئين، أخبره ان كاتب التحقيق بعدها قابله بأحد منتجي الافلام ليصنع من قصة "حسن" فيلما سنيمائيا، الا ان "حسن" رفض مصرا علي أن قصته بدأت توا ولم تنتهي بعد، مشيرا بيده نحو الشمال!!






وقائع القصة فبراير 2006
"Ex-Gorio"
emergency center for refugee

13 comments:

BeLiEvEr said...

رائعة كالعادة يا رندا
:)
بجد يا زنزانة، انا تدويناتك بتمزجنى بالبلدى

ساعات كتير بحس بمرارة، ليه دايما فى حتت كتير من الدنيا المستقبل مرتبط بتضحيتنا بأحلى حاجات فى حياتنا

يا ترى ده قدر وضعنا فيه، ولا قدر وضع فينا؟

من احلى البوستات اللى قريتها و اكثرها إنسانية
تحياتى لكى يا عزيزتى

شـــــهــــروزة said...

دائما ما تتمتعى بالقدرة على سرد الانسانيات العميقة
لم استطع رفع عينى عن حرف واحد قبل نهاية المكتوب

البحث عن الآدمية المفقودة السليبة فى اصقاع العالم
حتى وأن كلفتنا حياتنا


ترى؟؟
هل مازال لديك قصص من الجانب الآخر؟؟؟؟

Xee said...

بحكم إني كائن شتوي الطباع، تلاقيني بستنى هلال نوفمبر بفارغ الصبر من السنة للسنة، حيث كابة الخريف مع حبة بوادر شتى و حركات
حبيت بس أحييكي على طبق القطايف النوفمبري الجميل ده
:)
تسلم ايدك يا راندا
وش ملحوس بقه قطايف

بجد، من أجمل ما قرأت في المدونات في هذا الشهر الكريم

بحب جدا سردك للمعاناة البشرية لما بتتخطى عناوين الصحف لما وراء الكواليس
جامده ما وراء الكواليس دي جدا مني على فكرة
وش جامد

شهروزة: ازيك و كده
:)

zenzana said...

العزيز بليفر
شكرا يا فندم دا بس من زوقك


لا كل حاجة اختيار

مسألة التضحية دي بقي موال
اذا كنت عاوز توصل لهدف معين لازم تستغني عن حاجات

شالله يجبر بخاطرك

zenzana said...

شهروزتي
نورتي جدا جدا


والله مش جبت حاجة من عندي انا بس حكيت

دا في قصص وقصص وحواديت كتيررررر

:)هحاول اكتب منها هنا

zenzana said...

xee

يا ويلكم يا ويلكم
عم الحاج هنا
انا افتكرت اننا ف رمضان
قطايف وشهر كريم
دي مش كأبه نوفمبر دي كأبة مواليد الدلو يا فندم

شكرا شالله يحميك م الناموس والجمال وكل الحركات يا رب

بس ايه الكلام الكبير قوي دا؟
انت وشهروزة كالاويس واصكاع
والبشرية الفائدا
ربنا يخليكم
هههههههههه
:)

مينا زكري said...

صدقيني مش قاصد أقلبها حنجوري خالص
بس ونا قاعد أتابع كلماتك وسرد اللحظات الإنسانية الحية دي واللي بتواجه اللي بيقرا - إذا كان عنده دم - بواقع أن هؤلاء الأرقام والأسماء "بشر" ولكل منهم قصة وبيت وعائلة ومأساة!، ونا بتابع دا كله مش بيفارقني إطلاقا - للأسف - صدى صوت فتوى علي بك جمعة القائلة بأن الغرقى ليسوا شهداء وإنما خارجين عن القانون وعن شرع الله

بغض النظر عن إن الفتوى مستفزة ومسيسة وأي حنجوري مهبب... بس سؤالي... هي الناس دي ما بتحسش خالص؟؟؟

Gid-Do - جدو said...

الحبيبة رندا

كنت دائما افكر واسال نفسى لاية الجيل الاول من المهاجرين لامريكا ـ الحاملين لاى جنسية وفى اى زمن سابق او حالى ـ بيكونوا انجح فى حياتهم العملية من اولادهم ـ الجيل التانى ـ او من الامريكان نفسهم ـ وكانت النتيجية اللى وصلت اليها انهم بيكونوا عندهم اصرار على النجاح وعلى تغيير حياتهم من واقع مر الى مستقبل احسن ـ وقصة الولد الافغانى اللى انت حكتيها دليل على نظريتى ـ تحياتى وليكى وحشة

zenzana said...

مينا
أنت لسه بتسأل ؟
يا تري استفسار ولا فذلكة؟
للو بتستفسر عن دمهم فهو بالتأكيد مفيش لو بتتفذلك وعارف الاجابة اسكت احسن تجيلك نقطة تخلص عليك
ثم هو لسه فعلا في ناس بتمشي في ديل علي بك الكبير؟ وبتاخد علي كلامه؟
لو في يبقي الله يكون في عونهم

zenzana said...

جدو حبيبي

أحيانا كتير الواقع المر دافع للتغيير أو لدفن الرؤؤس في الرمال

وانت كمان يا جدو لك وحشة
لسه كنت ببص واقول فين جدو؟
تحياتي

أحمد عبد الفتاح said...

لو كنت اعرف ان تدوينات راندا بتجمع الحبايب كنت ارغمتها تكتب من زمااااااااااااااااااااااان
تسلم ايديك يا بت

zenzana said...

بت؟
طيب يا...بلاش قدام الناس المحترمين

حوش حوش قال ارغمني قال مين دا؟
...بهزر طبعا
ربنا ما يحرم الحبايب مني
ههههههههه
شكرا يا تاحاتيحو

مينا زكري said...

لأ باستفسر فعلا
وللأسف لسة فيه ناس كتير بتاخد كلام الناس دي جد ومستنية فتوى قبل ما تاكل وقبل ما تشرب وقبل ما تعتبر حد كويس أو وحش... شهيد أو منتحر وكدة يعني

وبالتالي بجد بسأل الناس دي معندهاش دم خالص ومبتحسش أبدا؟ ومفيش عندهم ضمير بتاتا يعني؟

وإذا كانت الإجابات شديدة البديهية كدة فليه الناس لسة مختارة تمشي بكتالوج الفتاوي ف كل صغيرة وكبيرة وليه محدش بيختار يفهم ويبقى بني آدم