Monday, November 8, 2010

البصيرة ..ليه تقاطع الانتخابات لما ممكن تخلي صوتك أبيض

في عام 2004 ، صدرت رواية " البصيرة " ،ل جوزيه ساراماجو ، أي بعد حصوله علي نوبل بست سنوات ، وترجمها الي العربية أحمد عبد اللطيف الذي راي "أن النضج في هذه الرواية قد بلغ مداه ، بداية من فكرة الرواية ، وحبكتها ، وسردها الجديد ، ومرورا بتطور أحداثها ، وليس نهاية بوصف مكانها والحوار المناسب لكل شخصياتها ، وإطلالة المؤلف علينا من حين لآخر ليعلق علي حدث ، أو لينقد سلوكا ، وإتباعه أحيانا إسلوب السرد الشفهي ، وتعمده في كسر الإيهام ، ليذكّر القاريء دائما أنه هو الراوي لكل الأحداث ، بل وتحاوره معه" ، كمعظم ملامح روايات ساراماجو ، وان تميز هذا العمل بالعبث الذي خلق من الممكن صعب المنال حقيقة ، فيمتزج الواقع مع الخيال ، والخيال مع الواقع ، ويقنعك به في تطور مدهش للأحداث ، وفي النهاية تختم الرواية بشكل غير متوقع .

حاولت الرواية الإجابة عن السؤال التالي : ماذا سيحدث لو قام أكثر من 80% من سكان مدينة ما بالإدلاء بأصوات بيضاء ؟ ، أصوات بيضاء ، وليست اصوات ملغية ، ولا إمتناع عن الإنتخابات ، بل ذهبوا إلي اللجان الإنتخابية ، بأصوات صالحة ، لكنهم لم ينتخبوا أيا من الأحزاب الثلاثة : اليمين ، اليسار ، الوسط . لقد قرر كل ناخب ، من تلقاء نفسه ، منفردا ، بدون أن يتفق مع أحد ، او حتي الانضمام لحزب او تنظيم سياسي ، أن يدلي بصوت أبيض . هذه هي نقطة البداية ، بعدها يأتي ساراماغو ليسرد ويصف ، ويبدأ العبث .

في " البصيرة " يجلس الكاتب العالم بكل شيء ، الملم بتفاصيل الأحداث و الشخصيات ، واضعا يده اليمني فوق خده كعادته ، مبتسما إبتسامته الساخرة ، بملامح وجهه البريئة ، ليروي ، ويروي ويروي ، إكذوبات الديمقراطية ، هو لا يهدمها ، ولا يرفض المجتمع الديمقراطي الغربي ، بل يعيد كشفه ، يعيد إصلاحه وتجديده ، يكشف عيوبه ، يظهر اليد الحديدية المغطاة بالقطيفة ، كما يقول هو نفسه في إحدي لقاءاته ، فبدلا من أن تبحث الحكومة عن المرض ، تعالج المرض ، فتلجأ للعنف و القمع و الحصار و التعذيب والتجويع ، فكل شيء مباح من أجل الحفاظ علي كرسي السلطة . ولأن الكاتب لا يعيش في برج عاجي ، ولأنه شديد الإطلاع ، قرر أن تجري احداث روايته في مدينة ما ، هي عاصمة لدولة ما ، بدون أن يذكر إسمها ، فتلك الأحداث قد تقع في أي مكان في الأرض .

ظل سكان العاصمة في بيوتهم يوم الإنتخابات ، خرجوا فقط في الساعة الأخيرة حيث اكتظت الصفوف ، ليثبتوا لحكومتهم انهم لم يمتنعوا بسبب الامطار الغزيرة ، وانما لانهم يرفضون المرشحين جميعا ، فما كان من الحكومة إلا ان ظنت أن هناك رأسا محرضا علي الإنقلاب ، منظمة فوضية تبغي القضاء علي سلطتها ، فقرروا ، بكل عبثية ، اللجوء للوسائل المعروفة من اجهزة كشف الكذب و التعذيب . وهنا يظهر المؤلف العبثي الساخر من جديد ، عندما تصر امرأة علي أن يجلس الضابط علي نفس الجهاز ليرد علي نفس السؤال : هل أدليت بصوت أبيض ؟ فتكون إجابة الضابط بالإيجاب.

تتابع الاحداث و تقرر حكومة هذا البلد أن تفرض الحصار علي العاصمة ، وإنشاء عاصمة جديدة ، علي أن تبقي العاصمة القديمة معاقبة بالجوع في إنتظار التموين الذي تبعثه لهم الحكومة الميمونة . وخلال هذه الأحداث ، تظهر صورة رئيس الجمهورية ، ورئيس الحكومة وكامل هيئتها ، فتظهر عبقرية المؤلف في وضع الحوار المناسب لكل شخصية ، بشكل يحسد عليه ، وبناء علي الخلفية المزود بها كل منا عن شاغلي تلك المناصب . وليكتمل العبث ، قررت الحكومة " تلبيس " التهمة لشخص ما، هنا يستدعي ساراماجو بطلة روايته السابقة "العمي"التي تظهر كخلفية لرواية البصيرة. .

وبعد سرد أكثر من نصف الرواية ، يظهر البطل ! ، البطل هنا هو مأمور مباحث كلفه وزير الداخلية بالتحقيق و العثور علي ادلة لإدانتة بطلة الرواية السابقة "العمي" ، لكن البطل يتعاطف مع " المتهمة " حيث لا يجد سوي ادلة براءتها ، فيصمم علي الوقوف معها مهما كلفه الأمر ، فيدفع حياته ثمنا لموقفه . جدير بالذكر أن المأمور ينتمي لحزب اليمين ، الحزب الحاكم ، رغم أن ساراماغو نفسه يساري ، إلا ان ذلك لم يؤثر عليه ، فما كان يهمه سوي التطور المنطقي للرواية ، كما أنه ايضا لا يقدس حزب اليسار المنتمي له . وبرغم أن الرواية مليئة بالعبارات المحملة بمعني الرواية ، إلا ان أهم عبارة تأتي علي لسان المامور : " من وقع هذا الميثاق نيابة عني ".

بدأ الكاتب روايته بالإستشهاد التالي : " قال الكلب : علينا أن نعوي " . وهو إستشهاد ذكي يناسب جو الرواية الذي يحث علي الثورة ضد كل ظلم .

وختم الرواية علي لسان رجل أعمي بعد أن قُتل الكلب الذي كان يعوي : "الحمد لله ، فأنا أبغض عواء الكلاب ". وهي إشارة إلي أنه لا أحد يكره صوت الثورة ، سوي العميان .

اما عنوان الرواية فهو مأخوذ من فكرتها ، هؤلاء القوم الذين إستنارت بصيرتهم فجأة ، وبلا رصاصة واحدة ، أعلنوا غضبهم

بكتابة هذه الرواية إرتاح ضمير ساراماغو ، حيث قال في احدي لقاءاته بجريدة الباييس الإسبانية عقب نشرها " لو جاءني الموت الآن ، سأموت وأنا مرتاح الضمير ، فقد كتبت ما أردت " . وقبل نشر " البصيرة " بعدة شهور في البرتغال و اسبانيا و امريكا اللاتينية قال الكاتب : أعلم أن هذه الرواية ستسبب لي الكثير من المشاكل ، كما حدث مع روايتي " إنجيل المسيح " . وعقب نشرها قال ميجيل فيجيا ، أحد أبرز أعضاء الحزب اليساري اليمقراطي البرتغالي ، وهو الحزب الذي ينتمي له ساراماغو ، " لقد أصعقتني هذه الرواية " . وبرغم ان علاقته تحسنت مع البرتغال بعد سنوات من " انجيل المسيح " ، إلا أن ساراماغو عاد مرة أخري ليلقي حجرا في المياه الراكدة ، لكن المياه هذه المرة سياسية ، وليست دينية .

وأخيرا ، فإن الإنتخابات البيروانية التي جرت عقب نشر هذه الرواية ، ساد فيها " الصوت الأبيض " . وظهر في فرنسا حزب ينادي بالصوت الأبيض . ولم تسلم إسبانيا من العدوي ، ففي 2004 أدلي 600 ناخبا بصوت ابيض . هؤلاء هم الكتاب الذين يغيرون العالم .

ملحوظة: معظم المقتطفات السابقة "كتابة نقدية للرواية علي اكثر من منتدي الكتروني "

اضغط هنا لتحميل رواية البصيرة.

4 comments:

ذو النون المصري said...

نفسي اقرا هذه الرواية
احب جدا التاريخ و رواياته و السياسه و ما يتعلق بها من اعمال ادبيه
....................
كل عام انتم بخير
تحياتي

zenzana said...

لنك الرواية موجود في البوست ممكن تحملها عندك لو تحب تقرا باقي مؤلفاته في الجروب اسمه books online
ع الفيس بوك هبعتلك منه مؤلفاته علي مراحل
اشطة؟
وانت طيب

قهوة بالفانيليا - شيماء علي said...

عاوزة أشكرك على لينك الرواية :)
ميرسي للغاية :)

zenzana said...

العفو يا فندم احنا ف الخدمة